محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
191
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
القدماء في نفيهم علمه تعالى بما سوى ذاته كما شنع الغزاليّ في كتاب التهافت « 1 » على الفلاسفة بذلك ، وقال : إنّ جميعهم قائلون به إلّا ابن سينا وصدّقه الحكيم ابن رشد في ذلك لكن قال : إنّ مرادهم أنّه لا يعلم الأشياء من خارج ذاته لئلّا يلزم استكماله بالغير ، بل يعلمه من ذاته ، وأنّهم لا يقولون : إنّه يعلم غير ذاته لئلّا يتوهّم أنّه يعلمه من خارج ذاته ، وأنّ ابن سينا أراد الجمع بين القول بأنّه لا يعلم غير ذاته ، وأنّه يعلم الأشياء كلّها بأنّه يعلمها من ذاته لا من خارج ذاته ، فهو لا يعلم ما هو خارج عن ذاته ، هذا . وأمّا المعلّم الثاني ، فقال في كتاب الجمع بين الرأيين ما ملخّصه : أنّه لمّا كان البارئ - جلّ جلاله - بإنّيّته وذاته مباينا لجميع ما سواه وذلك له بمعنى أشرف وأفضل وأعلى بحيث لا يناسبه شيء في إنّيّته ولا يشاكله ولا يشبهه حقيقة ولا مجازا ، ثمّ مع ذلك لم يكن بدّ من وصفه وإطلاق اللفظ فيه من هذه الألفاظ المتواطئة عليه ؛ فإنّ الواجب الضروري أن يعلم أنّ مع كلّ لفظة نقولها في شيء من أوصافه معنى لذاته بعيد من المعنى الذي نتصوّره من تلك الألفاظ أشرف وأعلى حتّى إذا قلنا : إنّه موجود ، علمنا مع ذلك أنّ وجوده ليس كوجود سائر ما هو دونه ، وإذا قلنا : حيّ ، علمنا أنّه حيّ بمعنى أشرف ممّا نعلمه من الحيّ الذي هو دونه ، وكذلك الأمر في سائرها . فحينئذ نقول : لمّا كان الله تعالى حيّا مريدا لهذا العالم بجميع ما فيه ، فواجب أن يكون عنده صور ما يريد إيجاده في ذاته ، ولو لم يكن للموجودات صور وآثار في ذات الموجد الحيّ فما الذي كان يوجده ؟ وعلى أيّ مثال ينحو بما يفعله ويبدعه ؟ أما علمت أنّ من نفى هذا المعنى عن الفاعل الحيّ المريد ، لزمه القول بأنّ ما يوجده إنّما يوجده جزافا وعلى غير قصد ولا ينحو نحو غرض مقصود بإرادته ، وهذا من
--> ( 1 ) . نقله عن ابن رشد في « تهافت التهافت » : 343 .